صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

94

تفسير القرآن الكريم

أمر يخترعه الوهم الكاذب . فقال : « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » بالتوفيق والايمان والإلجاء إياها لسلوك سبيل الرحمة والرضوان ، ولكنه ينافي الحكمة والمصلحة الكلية المقتضية لحفظ النظام على أفضل ما يمكن من الوجود والقوام ، إذ لو كان الأمر كما توهّم لبقيت النفوس كلها على طبقة واحدة ، وفات بقاء سائر الطبقات المتصورة في حيّز الإمكان من غير أن يخرج من الكمون والبطون إلى منصّة البروز والظهور ، والرحمة مقتضية لإيصال كل مستحق إلى ما يليق به ، لئلا يخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها ، فيبقى في العدم أمور جمّة غفيرة ، ولا يتمشى الأمور الخسيسة ، التي يحتاج إليها في بقاء النفوس الشريفة ، كيف ولو لم يكن الكنّاس والحجّام في العالم لاضطر الحكيم إلى مباشرة الكنس والحجامة . ولا بد أيضا في ظهور بعض صفات اللّه الجلالية من وجود أهل الحجاب والذلّة والقسوة والظلمة ، البعداء عن الرحمة والمحبة والنور ، وإلا فلا ينضبط نظام العالم ، ولا يتم صلاح المهتدين لوجود الاحتياج إلى سائر الطبقات ، كما لوّ حنا إليه من أن المظاهر لو كانت كلها أنبياء وأولياء وأخيارا لاختلّ بقائهم بعدم النفوس الغلاظ والشياطين من الإنس والجن ، القائمين بعمارة هذا العالم ، ألا ترى إلى ما ورد من قوله تعالى : إني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم . فوجب في الحكمة الحقة الإلهية ، التفاوت في الاستعدادات بالقوة والضعف ، والصفاء والكدورة ، وترتّب الدرجات على حسبها ، والحكم بوجود كل طبقة من السعداء والأشقياء في الفضائل والرذائل ، لتجلى اللّه سبحانه بجميع الصفات ، ويظهر منه جميع أسمائه الحسنى ، فإن الغفور ، والعفوّ ، والعدل ، والمنتقم ، والتوّاب ، والمضل وأمثالها أسماء لا يتجلى الحق بها إلا إذا جرى على العبد ذنب . ولذلك وقع في الحديث : « لولا انكم تذنبون لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون » و عن النبي صلى اللّه عليه وآله : « أنين المذنبين أحبّ إليّ من زجل المسبّحين » .